الشيخ محمد الصادقي
326
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
الأخرى . كل ظواهر الحياة الدنيا محدودة معدودة ، فضلًا عن « ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا » مهما بدا لأهلها شاسعاً ناصعاً ، والآخرة هي الحلقة الأخيرة الدائبة في سلسلة النشآت الحيوية ، فكلما بعدت آماد العلوم والأنظار في هذه الحياة ، طليقةً عنها إلى حقيقتها الحاضرة والمستقبلة ، واتسعت الآفاق في تلك المطلَّعات والنظرات ، كانت حصيلة العلم بالآخرة أزهي وأضحى ، وأصحابها أبصر بالحق الطليق وأبعد عن العمى ، وعلى حدّ قول الإمام علي عليه السلام في وصفها : « من أبصر بها بصرَّته ومن أبصر إليها أعمته » . « أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » ( 30 : 9 ) . وإذا لم يعلموا هم في أنفسهم إلّاظاهراً من الحياة الدنيا إذ لم يتفكرا فيها فغفلوا عن الأخرى « أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ » سيراً آفاقياً بعد التغافل عن السير الأنفسي « فَيَنْظُرُوا » نظر التعقل والتفكير والاعتبار « كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » من المشركين أضرابهم ، أن اخذهم عذاب الهون بما كانوا يكسبون ، وقد « كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً » عِدَّة وعُدَّة « وَأَثارُوا الْأَرْضَ » إثارة الزرع والعمار « وَعَمَرُوها » بمختلف العمار « أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها » وهم كما أنتم « جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ » فجحدوا بها « فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ » أن يعذبهم دون حجة « وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » بما كذبوا وما عذِّبوا . « ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ » ( 30 : 10 ) . « عاقِبَةَ » خبر مقدم ل « كانَ » فقد يكون اسمها « السُّواى » أم « أَنْ كَذَّبُوا » و « السُّواى » مفعول أساءوا ، هي كالحسنى وضدها في المعنى ، مؤنث الأسود : « وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ » ( 41 : 27 ) « لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا » ( 39 : 35 ) . فالمعنى على كونها الاسم المؤخر أن عاقبتهم أسوء من حاضرتهم ، فحياتهم الحاضرة